الشيخ محمد هادي معرفة

429

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والملاطفة في القول ، ويأتيهم من جهة المناصحة ، ليكون أدعى إلى سُكونهم إليه ، فجاء بما علم أنّه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم إياه ، فقال : « وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » وهو كلامُ المنصف في مقابلة غير المشتطّ ، وذلك أنّه حين فَرضه صادقا فقد أثبت أنّه صادقٌ في جميع مايعدُ به ، لكنَّه أردفَ بقوله : « يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » ليهضمَه بعضَ حقِّه في ظاهر الكلام فيريهم أنّه ليس بكلام من أعطاه حقَّه وافيا ، فضلًا عن أن يتعصَّب له ، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل ، كأنَّه بَرْطلَهُم « 1 » في صدر الكلام بما يزعمونه ، لئلّا ينفرُوا منْه . وكذلك قوله في آخر الآية : « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » أي هُو على الهُدى ، ولو كانَ مُسرفا كذّابا لماهداه اللّه للنبوَّة ، ولا عَضدَه بالبيّنات . وفي هذا الكلام من خداع الخصم واستدراجه مالاخفاء به ، وقد تضمَّن من اللطائف الدقيقة ماإذا تأَمَّلته حقَّ التأَمّل أعطيته حقَّه من الوصف . وممّا يجري على هذا الأُسلوب قوله تعالى : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً . يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا . يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا . يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا » . « 2 » هذا كلامٌ يهزّ أعطافَ السامعين ، وفيه من الفوائد ما أذكُرُهُ ، وهو أنّه لمّا أرادَ إبراهيم عليه السلام أن ينصحَ أباه ويعظه ويُنقذه ممّا كان متورِّطا فيه من الخطأ العظيم الذي عَصى به أَمر العقل رتَّب الكلام معه في أحسن نظام ، مع استعمال المجاملة واللطف ، والأَدب الحميد ، والخلق الحسن ، مُستنِصحا في ذلك بنصيحة ربِّه ، وذاك أنَّه طلب منه أَوَّلًا العلّة في خطيئته طلَبَ مُنبِّهٍ على تماديه ، مُوقظٍ من غفلته ، لأنَّ المعبود لو كانَ حيّا مميِّزا سميعا بَصيرا مقتدرا على الثواب والعقاب - إلّا أَن بعض الخلق يستخفُّ عقل من أهَّله للعبادة ،

--> ( 1 ) - يقال : برطل فلان فلانا أي رشاه ، فتبرطل : فارتشى . ( 2 ) - مريم 41 : 19 - 45 .